الوحدة الوطنية وحكمة القيادة السياسية في أي دولة ودورها في المحافظة على الإستقلال وحماية الإستقرار
تقف المملكة الأردنية الهاشمية اليوم نموذجًا فريدًا للاستقرار في قلب منطقة مضطربة تموج بالحروب والصراعات. بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني، نجح الأردن في الحفاظ على أمنه واستقراره، مستندًا إلى حكمة سياسية عميقة ورؤية إنسانية تتعامل مع المواطن كركيزة أساسية للدولة. لقد سار الملك على نهج آبائه من ملوك الهاشميين، الذين جعلوا من العدالة، والشفافية، واحترام حقوق المواطنين، أدوات لإرساء الوحدة الوطنية وترسيخ الشرعية. كما حافظ النظام الأردني على سياسة خارجية متزنة تقوم على احترام خصوصية الدول الأخرى وعدم التدخل في شؤونها، ما أكسبه ثقة الجوار ومكانة مرموقة على الصعيد الدولي. وفي قلب هذه السياسة الحكيمة، تظهر الوحدة الوطنية كدرع يقي الأردن من أي تهديد داخلي أو خارجي، هذا ما يؤكدًا أن الدولة المستقرة تبدأ من الداخل قبل أن تصمد أمام التحديات العالمية
تاريخياً أثبتت الأحداث أن الوحدة الوطنية تُعدّ من أهم الركائز التي تقوم عليها الدول القوية والمستقلة، فهي السياج المتين الذي يحمي الأوطان من التفكك والانقسام، والدرع الذي يصدّ محاولات التآمر والتدخل الخارجي، كما أنها الأساس الحقيقي لبناء دولة عادلة مستقرة قادرة على مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية. ولا يمكن لأي دولة أن تحافظ على استقلالها وسيادتها ما لم تكن الجبهة الداخلية موحّدة، قائمة على العدالة والمساواة والثقة المتبادلة بين الحاكم والمحكوم.
لقد أثبت التاريخ أن الشعوب المتماسكة هي الأقدر على انتزاع استقلالها والحفاظ عليه. فحين تتوحد الإرادة الشعبية خلف هدف وطني جامع، تتراجع النزاعات الداخلية، وتفشل محاولات القوى الخارجية في اختراق الصف الوطني أو استغلال الخلافات لإضعاف الدولة. إن الوحدة الوطنية تمنح الدول قوة تفاوضية وسياسية، وتجعل قرارها السيادي نابعًا من الداخل لا مفروضًا من الخارج.
لا تتحقق الوحدة الوطنية إلا في ظل العدالة، حيث يشعر جميع المواطنين بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو الانتماء السياسي أو الجهوي. فالعدالة الاجتماعية والقانونية تعزز الانتماء للوطن، وتغلق الأبواب أمام دعاة الفتنة والانقسام الذين يتغذّون على الشعور بالظلم والتهميش.
يُعدّ قرب الحاكم من شعبه كما هو الحال في بعض الدول ومنها الأردن عاملًا محوريًا في ترسيخ الوحدة الوطنية، إذ إن التواصل المباشر، والاستماع لمطالب المواطنين، والتفاعل مع قضاياهم، يعزز الثقة في مؤسسات الدولة. فعندما يشعر المواطن بأن قيادته تشاركه همومه وتعمل من أجله، يصبح أكثر استعدادًا للدفاع عن وطنه ونظامه السياسي ضد أي تهديد داخلي أو خارجي.
من جهة آخرى فإن احتواء أبناء الوطن من المعارضة الوطنية واستقطابها بالحوار بدل الإقصاء يُعدّ من أنضج أساليب بناء الوحدة الوطنية. فالمعارضة جزء من النسيج الوطني، وإشراكها في الحياة السياسية يساهم في تصحيح المسار وتعزيز الاستقرار. أما تهميشها أو شيطنتها، فقد يدفع بعض أطرافها إلى البحث عن دعم خارجي، مما يفتح الباب أمام التدخلات الأجنبية وزعزعة النظام.
يعتبر التوزيع العادل للثروات الوطنية، وتكافؤ الفرص في التعليم والعمل والتنمية، من أهم مقومات الاستقرار الاجتماعي. فالشعور بالمساواة الاقتصادية يقلل من الاحتقان، ويقوي اللحمة الوطنية، ويمنع استغلال الفوارق المعيشية لإشعال الصراعات الداخلية.
إن وقوف الدولة على مسافة واحدة من جميع مواطنيها، دون محاباة أو إقصاء، يعزز ثقة الشعب في مؤسساتها، ويكرّس مفهوم الدولة العادلة. فالحياد في تطبيق القانون وضمان الحقوق يرسخ مبدأ المواطنة، ويجعل الولاء للوطن فوق كل الانتماءات الضيقة.
في عالم اليوم تلعب السياسة الخارجية الواضحة والمتوازنة دورًا مهمًا في حماية الوحدة الوطنية، إذ إن التصرف والتعامل بحكمة في الشؤون السياسة الدولية، بما يتناسب مع حجم الدولة وإمكاناتها، يجنب البلاد صراعات لا طائل منها. كما أن احترام سيادة الدول الأخرى وعدم التدخل في شؤونها يعزز مكانة الدولة عالمياً، ويقلل من احتمالات استهدافها أو عزلها.
تُعدّ الشفافية من أهم أدوات تحصين الجبهة الداخلية، فحين تكون الدولة صادقة مع مواطنيها في بيان أوضاعها الاقتصادية والسياسية، وتشرح التحديات والقرارات بوضوح، تمنع انتشار الشائعات والمعلومات المغلوطة. كما أن اطلاع المواطن على واقع بلده من مصادره الرسمية الداخلية يحول دون تأثره بدعاية خارجية قد تحمل أجندات خفية تهدف إلى زعزعة الاستقرار وضرب الثقة بين الشعب والدولة.
في الختام، يمكن القول إن الوحدة الوطنية ليست شعارًا يُرفع، بل ممارسة يومية تقوم على العدالة، والمساواة، والحوار، والشفافية، وحسن إدارة الشأن الداخلي والخارجي. وهي الضمانة الحقيقية لاستقلال الدول، وصمام الأمان في وجه المتربصين بأمنها واستقرارها. فكلما كانت الدولة عادلة وقريبة من شعبها، موحدة في صفها الداخلي، واضحة في سياساتها، كانت أقدر على حماية سيادتها وبناء مستقبلها بثقة وثبات.